الرئيسية / مقالات / أقبَلَ عرفة.. فقف على قسوة قلبك وفجِّر منها الأنهار

أقبَلَ عرفة.. فقف على قسوة قلبك وفجِّر منها الأنهار

الكاتبة ” نسرين بكارة “

كمسلمٍ مخطئٍ مُثقلٍ بالذنب، ذنبٍ يجعلك مشتتا حائرا مبعثرا بين ثنايا خوفٍ ورجاء، تهرولً بسمعك كُلّما سمعت آيات الرحمة والمغفرة تُتلى عليك وتطربُ لها، وتفرّ فِرار الخائفين المفزوعين كُلّما تُليت عليك فأخذهُم الله بِذُنُوبهِم إنّ الله قويَّ شديدُ العِقاب، قد كُنت تدعو من قبلُ أن يُبلّغك الله شهر رمضان لتغسل أدران قلبك، وتطهّر إصرار نفسك على المعصية واتّباع طرقها الملتوية، لتكفّ عن جعل صلاتك محْض حركاتِ جسدٍ منفصلة عن أيّما روح خاشعة وقلبِ وجلٍ راجِ، لتستيقظ من غفلتك وطول أملك، لتنفض عنك شيطان نفسك الذي يقعدُك عن كلّ خير، وتمر أيّامه ولياليه سريعًا منسلّة منتهية أمام عينيك دونما عودة، لتنضمّ بعد انتهائها إلى صفوف النادمين المضيعين والخاسرين بدل وقوفك مع جُموع الفرحين المبتهجين المسرورين باجتهادهم وسعيهم ليكونوا في زمرة المعتوقين، كالذي يعرفُ أنّ السّراب سرابٌ ولكنّه سعى إليه ليجدهُ سرابًا ولا شيء غير السّراب.

لا تنفكّ نارُ ذنبك تحرقُ فؤادك وتقضّ مضجعك، ولا يفتأ وجع كسلك وتقصيرك في حق نفسك وفي حق من لهم عليك حق يقتات من عافيتك، تدّعي التّوبة الصادقة، وتكذبُ على نفسِك بعزمٍ زائف، وطولُ الأمل يسرقُ مِنك عُمرك الغالي، وتنتظر أن يسّاقط عليك الرُّطبُ دون محاولة صادقةٍ منك لهزّ جذع النّخلة، وتطلق عينيك إلى قمّة الجبل دون تفكيرٍ جادٍّ في الخروجِ من الحفرة.


ولكن.. عليك أن تؤمن أنّ الله لم يخلُق نفسًا ليعذّبها أو يشتّتها أو يضيّعها، وعليك أيضا أن تؤمن أنّ الله لا يضيّع جُهد من جاهد ما دام اجتهادهُ في الحقّ. قد قال لي أحدُ المقرّبين يوما كلّما شكوتُ له خوفِي من الفشلِ أو عدمِ الوصولِ أو عدمِ النّجاح أو من أن أبقى على ذنوبِي أو أموت عليها لن يُضيّع الله جُهدكِ يا نسرين، وكان يكرّرُ ويعيدُ عليّ نفس العبارة دائما، ولم أكن حقّا أعِي معناها حتّى رأيتُها تتجلّى أمام عينيّ في عدّة مواقفٍ، وكُلّما تفكّرت فيها عرفتُ بل وتيقّنتُ أنّ الجُهد لا يضيع، كأن تقوم مثلا بمجهودٍ في طبخِ أكلةٍ ما لم تجرّبها من قبل، فإمّا أنّ التجربة ستنجح فتكونُ الطبخةُ كما انتظرت وأكثر، وإمّا ألّا تكون بالجودةِ التي تمنّيتها، وإمّا أن تنساها في الفُرنِ مثلا فتحترق، إن كانت النتيجةُ الأولى ستغبط لصنعك ويحفّزك هذا النّجاح لتجربة المزيد، وإن كانت النتيجة الثانية فستعيد الكرّة محاولا تحسين المكوّنات أو كمّيتها أو رُبّما تركت الطبخة برمّتها وجرّبت طبخةً أخرى، أمّا إن كانت النتيجة الثالثة فسيجعلك حُزنُك على مجهودك الذي ضاع بسبب نسيانك أو إهمالك أو تقصيرك تضع ركيزةً في عقلِك لألّا تنقُض غزلك من بعدِ قُوّةٍ أنكاثا، هذا هو الحالُ مع أنفُسنا وجِهادِها، هذا هو الحالُ مع كُلّ خُطوةٍ نخطُوها نحو شيء نريدُ تحقيقه، كما أنّه ذات الحال مع أهواء أنفسنا والسيئ من أوامِرها، ورغبتِها في اتّباع الهوى والشّهوات.

إذا جاهدتَ نفسك وشغلتها بالحقّ لتمنعها من أن تشغلك بالباطل ونجحت في هذا و وجدتَ أثر المنعِ الطيّب في نفسك وحياتِك، زادت رغبتُك في المواصلة في هذا الجهاد، وإن تركت نفسك للهوى فتجرّعت تِباعا مرارته وشقاءه عُدت لطريقِ الجهاد في مُحاولةٍ جديدة، أمّا إن أسرفت في تماديك وتناسيك وتفريطك وتقصيرك وتركت طريق التّزكية احترقتْ نفسُك تماما كاحتراق الطّبخة المنسيّة في الفُرن، ولم يبقَ فيها إلا الرّماد، ولربّما فقدتَ حتّى شعور الألم والنّدم بعد الذنب والتي أعتبرها من أخطر الخطوات ولربّما آخرها في طريق قسوةِ القلبِ و موتِه، ليمثّل الآية بكلِّ معانيها ثمّ قست قُلُوبُكُم مِنْ بَعْدِ ذلِك فهي كالحِجارةِ أو أشدُّ قسوةً وإنّ مِن الحِجارةِ لمَا يَتَفَجّرُ مِنهُ الأنهارُ وإِنّ مِنْها لما يشّقّقُ فيَخرُجُ مِنهُ الماء وإنّ مِنها لمَا يهبِطُ مِن خشْيَةِ الله.

كمْ هُو مُرعِبٌ أن تتجاوز قسوة القلبِ قسوةَ الحجارةكم هو مُرعِبٌ أن تعلم أنّ حجرَا يتفجّرُ مِنهُ نهرٌ، وأنّ حجرا يشّقق بكلِّ قسوتِه ليخرُج مِنهُ الماءُ والحياة، وأنّ حجرًا يهبِطُ مِن خشيَة الله، وأنت أيّها الإنسانُ المكرّمُ المستخلفُ في الأرضِ تتكبّرُ وتتجرّاُ بالذنبِ على من جعل الملائكة تسجدُ لك، وذلّل لك الأرض لتمشيَ عليها، وفضّلك على كثيرٍ مِنْ خلقِه تفضيلا، ولا تستحيي من الذي أنت فقيرٌ له وهو غنيّ عنك. 

ذهبت عشرٌ يا صديقي وطلّت عشرٌ وفيك روحٌ وبِك حياةٌ ولم تقُلْ بعدُ ربِّ ارجِعونِ لعلّي أعملُ صالحًا فيما تركتُ، إن لم تكُن بين الزّحامِ مُلبّيا فزاحِم القلوبَ تلبيةً، وإن لم تكُن من الواقفين على قِمّةِ عَرَفة فقِفْ على قسوةِ قلبِك وفجّرْ مِنها الأنهار.

المصدر ” الجزيرة نت ”

gold-link

شاهد أيضاً

خيار المواجهة والكفاح المسلح ؟

الكاتب ” عزمي مريش “ من يتأمل ويدقق النظر بإمعان في وجوه غالبية الفلسطينيين , …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Skip to content