الرئيسية / مقالات / القدس ووقع كورونا

القدس ووقع كورونا

الكاتب ” عزمي مريش “

القدس الشريف مسرى الرسول محمد عليه الصلاة والسلام وقبلة المسلمين الأولى , مدينة تختلف عن باقي مدن العالم , انها مهوى أفئدة المؤمنين ’ انها العاصمة الأبدية لفلسطين , سبعة عقود وأكثر وهي صابرة منتظرة وقابضة على الجمر كاظمة للغيظ عله يأتيها من يخلصها ويفك قيدها من المحتل ويطلق سراحها لتعانق السماء لتستمد النور وتتوهج من جديد بضياء الحرية والمجد والفرح .

في هذه الأيام وبسبب ما يجتاح العالم من وباء خطير يهدد البشرية بالفناء , نتجول فيها في شوارعا وزقاقها وحواريها , فنجدها مهجورة خالية من أهلها ومحبيها وحتى من الحجيج المؤمنين الذين اعتادوا أن لا يغادروها , متاجرها مقفلة جوامعها وكنائسها موصدة , والسكون والهدوء والصمت يخيما عليها والخوف سيد الموقف فيها .

مدينة لم نعهدها هكذا أبد , فرغم حرب النكسة واحتلالها من قبل اسرائيل الا أنها كانت تصارع المحتل مثبتة وجودها رافضة الهزيمة والاستسلام , فكانت تعج شوارعها بالمارة والزائرين وأهلها كان يتملكهم العنفوان والشموخ والاعتزاز حبا وعشقا لمدينتهم , فمر وعبر الكثيرون من الطغاة أزقتها وعاثوا الكثير فيها الفساد والخراب والدمار , الا أنها بقيت القدس هي القدس , وغادرها الطارئون وبقيت تتجلى وتزدان بأحلى وأجمل صورها .

أما هذه الأيام فيرخي وباء ” كورونا ” بظلاله عليها , أسوة بباقي العواصم والكثير من مدن العالم , فكل مقدساتها , وباحاتها وساحاتها المقدسة وشوارعها واسواقها العتيقة فارغة خاوية خالية نتاج اجراءات فرضتها السلطات على المدينة وقاطنيها , عل في هذا وقاية ودرئا للخطر الداهم , خطر وباء ” كورونا ” , ففي الحروب لم تختبأ الناس هكذا ببيوتها ولم تتحسب الخطر كما هو الآن خوفا من ” كورونا ” فالمتجول فيها هذه الايام يتمكن جيدا من التأمل والتمتع بكل ثناياها وتفاصيلها الدقيقة وبعمق أكبر لغياب الازدحامات والاكتظاظات المعهودة فيها .

فالخوف لم يتملك أهلها عبر التاريخ أبدا مثلما ما يتملكهم هذه الأيام , ففي حرب الخليج كان اهلها يتوهجون فرحا بسقوط الصواريخ الآتية من العراق فيعتلون الأسطح وينتشرون في الشوارع والحواري والأزقة ابتهاجا وتعبيرا عن احساس وشعور بالانتصار , وفي خضم المواجهات التي كانت محتدمة على مرالساعة مع المحتل في الانتفاضة الأولى والثانية ورغم سقوط الكثير من أبنائها شهداء وجرحى وأسرى , الا أنهم كانوا يزدادون فخرا وفرحا وأملا باقتراب النصر والتحرير للمدينة , فلم يكن للخوف مساحة في ثنايا افئدتهم ووجدانهم وعقولهم , حتى باتوا مفخرة للعالم وعنوانا وقدوة ونموذجا لمعاني الصبر والتضحية والتحدي والفداء , انهم أهل القدس , وما أدراك ما القدس .

فالقدس تاريخها حافل بالدراما والتراجيديا عبر التاريخ , لا يمكن لكاتب أو راو أو أديب أو شاعر أو قاص , أن يختزل ارثها التاريخي العظيم من عطاء وتضحية وفداء مهما امتلك من قدرات وامكانات ادبية ولغوية كبيرة , فالمستشرقون عجزوا عن فهم وتحليل وادراك كل تفاصيلها , لأن سر المدينة يكمن في سر قداستها وسر حفاوة ورعاية الرب لها .

الا أن ما تعيشه المدينة وأهلها هذه الأيام من حصار وحصار وتهديد وتهويد , وما يشكله وباء ” كورونا من رعب للعالم وللبشرية , الا أننا واثقون باذن الله , ان ذلك ما هو الا أمر الله , فرغم ما يقال عن فداحة خطر هذا الوباء وأنه وباء خفي غير محسوس وغير ملموس وغير مرئي وغير معروف , فالقدس واهلها والديار كلها هي بحفظ الله ورعايته ” ولسان الحال يقول ” قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا ” ولكننا مأمورون بالأخذ بالأسباب , وتوخي الحيطة والحذر والاقتداء والعمل بما أمرنا به , وهو جزئ أصيل من العقيدة والمتمثل في الحفاظ على الطهارة للجسم , فروي عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال , قال ” رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ( الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله تملأ ما بين السماء والأرض , والصدقة برهان والصبر ضياء , والقرآن حجة لك أو عليك ) فبهذه الارشادات والتعاليم النبوية ان اقتدينا بها , باذن الله جل علاه سنتجاوز أزمة هذا الوباء معافين وسننتصر عليه .

شاهد أيضاً

لا تكن معاندا ومتكبرا !!

الكاتب ” عزمي مريش “ امبراطوريات تتهاوى تسقط بلمح البصر , زعماء كبار ودول عظمى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Skip to content