الرئيسية / مقالات / حرب نفسية تطال العقول

حرب نفسية تطال العقول

الكاتب ” عزمي مريش “

الشعب الفلسطيني ومنذ اكثر من سبعة عقود خلت , تمارس ضده كل أساليب البطش والقتل والتشريد والاقتلاع , ومحاولة انكار وجوده والغاء ومصادرة هويته وذلك لاحلال شعب آخر محله ومكانه في وطنه وهذا ما حدث ولا زال , لذلك شنت الحروب تلو الحروب عليه في أرجاء وطنه وخارجه أيضا , ورغم قساوة وضراوة تلك الحروب الا أنه آثر البقاء والصمود والرباط في ربوع وطنه وفوق ثراه , ومن ضمن هذه الحروب تلك الحرب الناعمة وهي الأخطر ” انها الحرب النفسية ” بكل اساليبها وادواتها المختلفة والتي رغم خطورتها لم تنال من عضده وعزيمته وارادته .

فهنا نلقي الضوء على تلك الحرب ” النفسية ” الحرب العصرية في ظل توافر وسائل وأدوات لم تعهدها البشرية من قبل ألا وهي عناصر الابتكارات التكنولوجية الحديثة , والتي أصبح العدو يسخرها في حربه هذه ضد الشعب الفلسطيني , وحتى بحق الشعوب العربية والاقليمية , معتمدا على رؤيته الاستراتيجية في تحقيق انتصاراته وتمدد قواه وتعاظمها غاية في سلب الشعوب اراداتها وتحطيمها والسيطرة عليها بغية استعبادها وتحقيق أهدافه التوسعية على حسابها وحساب وجودها كضمانة لبقائه آمنا من خلال اضعافها والقضاء عليها أو تفتيتها وتقسيمها , معتمدا سياسة ” فرق تسد ” في التعاطي مع الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة والتعامل معهما باستعلاء وعنصرية وجبروت .

والحقيقة تشير الى ان اسرائيل ومنذ نشأتها وحتى ما قبل ذلك , كانت تفكر دائما وتحقق السبق في مهاجمة عقولنا وتفكيرنا كخصم لها وتهديد لوجودها , لذلك نجد ان من اولويات استراتيجياتها استخدامها لهذا الشكل من الحروب بحق كل خصومها وأعدائها .

اذا اسرائيل لم تتوقف ابدا ولو للحظة في ممارسة حربها النفسية لطالما تعمل على هزيمتنا والغاء وجودنا والانتصار علينا , لذلك ترى ان تلك الحرب شرعية من وجهة نظرها تحقق من خلالها اهدافها الخبيثة والمتمثلة في التأثير على عقولنا وسلوكياتنا وقناعاتنا واحباطنا وقتل معنوياتنا واضعافها وتحطيم ارادتنا , وهنا تكمن قوة وفاعلية هذا الشكل من الحروب اللعينة كون الشعوب والمجتمعات والأفراد مدنيين كانوا ام عسكريين ترى فيهم هدفا وارضا خصبة لبث سمومها وافساد الايجابيات فينا لتستطيع التمكن منا والسيطرة علينا وقيادتنا كالقطيع الى حيث تشاء .

وبناء على ما ذكر فاننا نرى ان هذا النوع من الحروب هو الأخطر الذي يمارس ضد شعبنا من قبل اسرائيل ومن خلال أدوات أوجدتها واصطنعتها تعيش بيننا تقض مضاجعنا , وتساعد في تنفيذ هذه الحرب واجنداتها طواعية صاغرة كونها رهنت مصيرها في خدمة الاحتلال ومشاريعه , فنجد أن اسرائيل تعتمد بشكل كبير في شن هذه الحرب المستمرة وطويلة الأمد من خلال تلك الأادوات, زلمها وعملائها المستفيدين من وجودها والذين آثروا التخندق في خندق العدو وتنفيذ اوامره واجنداته المختلفة وأهمها الحرب النفسية تلك التي تتمثل ” بالاشاعة ” وبثها ونشرها حتى باتت تدك مضاجع الكثير من قضايا شعبنا .

وهنا نجد الاحتلال قد حقق الكثير من أهدافه دون الحاجة للتكلفة الباهظة لزج بجنوده في الكثير من المهمات المختلفة التي يعينه على تحقيقها أولئك الذي باعوا أنفسهم للغاصب المحتل لقاء فتات هنا وهناك او امتيازات سرعان ما تفقدهم اياها , والذين يعملون كعصابات وببرودة أعصاب نتيجة غياب الردع والقصاص الوطني مجردين من كل ذمة وضمير.

ولتسليط الضوء على الجوانب السلبية في تأثير تلك الحرب على شريحة واسعة من شعبنا , فنلاحظ أن الكثير من الاشاعات المغرضة تنتشر مثل هشيم النار ويتناقلها الكثيرون على اعتبار أنها حقيقة دون التأكد من مصادرها وسرعان ما يتحول ناقلها الى بوق يخدم ناشرها الى حد الايمان والقسم أن هذا وذاك حقيقة مطلقة , دون وازع ديني او ضميري أو وطني , وما اسرع نشرها بمنصات التواصل الاجتماعي التي هي بمثابة سلاح ذو حدين .

وهنا نستخلص أن الاشاعة جزء أصيل تستخدمة قوى الظلام للفتك بالشعوب وتدمير نسيجها الاجتماعي وتفتيته وتحييد اراداتها واطفاء وهج الروح وقتل المعنويات , وبناء على هذا يظهر لنا جليا خطورة الشائعات وتداولها والاصرار على انها جزء من الحقيقة , والتي بدورها تشكل عنصرا هاما وأساسيا وركيزة حيوية من ركائز الحرب النفسية , والتي أثبتت قدرتها على اختراق الصفوف وبث القلاقل والنزاعات والفتن والجريمة وافساد الكثير من الأشياء.

وهنا أستشهد بما قاله العرب قديما ” لا تحسبن الحرب سهما مغفرا .. ولكن سلاح الصائلين عقول ” وأكبر دليل ما يشاع حول جائحة كورونا أنها مؤامرة يراد منها تطويع الشعوب وتجويعها وافقارها والنيل منها , والبعض سرعان ما تلقف الشائعة بأن انتشار كورونا في ارجاء الوطن ما هو الا مؤامرة يراد منها تمرير مخططات واطماع الاحتلال في الضم فذهب كثيرون الى تصديق شائعة أن بيوت الله والاسلام والمسلمون هم الهدف من كل تلك الاجراءات الوقائية التي فرضت للحيلولة دون انتشار الوباء , فكان الذي كان , وحدث الذي حدث من احتجاجات وتجاوزات للقانون بشكل سافر , ان دل ذلك فانما يدل على أن الشائعة ناشريها ومطلقيها ومروجيها لم يكن همهم المساجد ولا المدارس ولا الصحة ولا الانسان ولا الأمن المجتمعي والغذاي والاقتصادي , بقدر أنهم أشاعوا روح التمرد والفوضى والانفلات لضرب الآمنين في مقتل من خلال التحريض على سلطة القانون وخدمة اجندات الاحتلال المختلفة .

وهاذا فيض من غيظ عن نتائج تأثير الشائعة التي اضحت واضحة وجلية للقاصي والداني , اشاعات مغرضة تمكنت من حرف البوصلة , مما تسببت بكارثة بيئية كبيرة وخطيرة تجتاح الوطن بكل مساحاته آملين من الله ومن المؤتمنين على الوطن والانسان منا , أن يتم السيطرة عليها ومحاصرتها والقضاء عليها , وهذا لن يتحقق دون مساهمة كل مواطن بالتقيد بالقانون والانصياع له وللاجراءات الوقائية التي اعلن عنها مرارا وتكرارا من قبل قيادات ومسؤولي الوطن الشرفاء .

شاهد أيضاً

عيد بأي حال عدت يا عيد

الكاتب ” عزمي مريش “ ” عيد بأي حال عدت يا عيد ” ” بما …

Skip to content