الرئيسية / مقالات / شراء الصمت لأجل الضم

شراء الصمت لأجل الضم

الكاتب ” عزمي مريش “

من الملاحظ أن عقارب ساعة اعلان قرار الضم للضفة الغربية من قبل اسرائيل باتت تدق بسرعة كبيرة , فعلى ما يبدوا أن رئيس الحكومة الاسرائيلية ” نتنياهوا ” قرر قراره بهذا الشأن وانه ذاهب للاعلان عن قراره بين لحظة وأخرى , خاصة بعد أن شكل حكومته على هواه فارضا هيبته وارادته واملاءاته على شريكه في الحكومة ” غينتس ” مستندا على الاتفاق بينهما على أن ما يقرره ” نتنياهو ” من سياسات يجب على شريكه القبول بها وعدم الاعتراض بالمطلق وخاصة قرار اعلان ضم الضفة الغربية لاسرائيل , علما أنهم ” وجهان ” لعملة واحدة رغم بعض الشروط التي عبر غينتس من خلالها عن تحفظه من الضم احادي الجانب .

ففي مطلع الأسبوع الحالي اعلن نتنياهوا عن منح السلطة الفلسطينية قرضا ماليا قارب على المليون شيكل اسرائيلي , وأتبع هذا القرار بتحويل مستحقات الضرائب التي تجبيها اسرائيل لصالح السلطة والبالغة نصف مليون شيكل شهريا , تتضمن الستة أشهر المقبلة .

نتنياهوا الرجل الحاكم الأقوى مرحليا في دولة اسرائيل , خاصة بعد تشكيل الحكومة الجديدة برئاسته , وبناء على قراراته في تحويل الأموال للطرف الفلسطيني , نرى أنه وبكل أساليب الخبث والمناورة والدهاء يحاول أيهام العالم والرأي العام الاسرائيلي والفلسطيني ان اسرائيل تستل المال من جيبها للعطف على الفلسطينيين ومساعدتهم مستغلا ظروف القهر والدمار للاقتصاد الفلسطيني في كافة المرافق الاقتصادية والصناعية والسياحية والاجتماعية بسبب فيروس كورونا , وما يعانيه ويكابده الشعب الفلسطيني وقيادته جراء الحصار نتيجة الاجراءات المختلفة التي اتخذتها الحكومة الفلسطينية في مواجهة انتشار كورونا , وما سبقها من اجراءات امريكية بتوقف مدها ودعمها للسلطة الفلسطينية ردا على القرارات التاريخية للقيادة الفلسطينية بقطعها للعلاقات والاتصالات مع الجانبين الأمريكي والاسرائيلي ردا على ما اصطلح تسميتها ” صفقة القرن ” التي تستهدف فلسطين أرض وشعب .

وفي خضم هذا المعترك واحتدام المواجهة السياسية بين الفلسطينيين وأمريكا واسرائيل , نلاحظ أنها تحاول أي “اسرائيل ” شراء صمت الفلسطينيين , بالمال السياسي بمعنى ” رشوتهم ” للقبول بسياسة الضم مقابل الانتعاش الاقتصادي , الا أنها لم تدرك أن مثل هذه السياسات أكل عليها الدهر وشرب ولن تمر أبدا ولن تنطلي كل حيل الاحتلال على شعبنا الراسخة أقدامه في أرضه ووطنه , وأن كل الاجراءات العقابية الجماعية المختلفة لن تدفعه أبدا بالتفريط بحقوقه وشرعية وجوده مهما كلف ذلك من ثمن , وانه أثبت في ظل الجائحة وما مر عليه من مؤامرات متتالية متعاقبة, أثبت أنه على قلب رجل واحد في مواجهة كل المخططات المستهدفة النيل من وجوده على أرضه .

فسياسة العصا والجزرة مردودة على الاحتلال , فالاغراءات المالية ومقولة الازدهار الاقتصادي وما قد يتبعها من تضليلات تتعلق في تقديم الامتيازات المختلفة , في الوقت الذي يقوم الاحتلال ليل نهار بتنفيذ المداهمات والاعتقالات والقتل شبه اليومي في الطرقات وعلى الحواجز والمعابر بحجج واهية وادعاءات فارغة , اضافة الى عمليات الهدم الممنهج يوميا للبيوت وتجريف الأراضي في الضفة الغربية , فعنجهية الاحتلال وسياساته الاجرامية بحق شعبنا هي بمثابة البقعة السوداء المتلازمة لجميع الفلسطينيين في كل مكان , منذ أكثر من سبعون عاما , فاليوم عاش الفلسطينيون ذكرى النكبة الأليمة بكل تفاصيلها , وأقسموا العهد مجددين البذل والعطاء والتضحية والفداء من أجل الدولة والعودة وحق تقرير المصير , لذلك واهم نتنياهوا وترامب وكل من لف لفيفهم بأن تحدث رعشة لدى طفل فلسطيني كل اغراءاتهم وامتيازاتهم ورشواتهم المالية أو المادية , والتي غايتها واهدافها خبيثة يراد من خلالها خداع الفلسطينيين من جديد لتحقيق استمالتهم للتهدئة وعدم اشتعال الوضع والقبول بالأمر الواقع , القبول ” بالضم ” .

فرغم رهان نتنياهوا على سوء الوضع الاقتصادي للفلسطينيين في الفترة الحالية بسبب الجائحة , بأن ردود افعال الفلسطينيين لن تكون عنيفة على قرار الضم , الا أن ضباطا كبار في شعبة الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية حذروا من الرد الفلسطيني حيال الضم , الا أن نتنياهوا ضاربا بعرض الحائط بكل التحذيرات هذه , اعتقادا منه أن الشعب الفلسطيني غير مبال عموما , خاصة بعد اعلان نفتلي بينت وزير الأمن عن اقامة فندق في منطقة الحرم الابراهيمي في الخليل وتوسيع الاستيطان فيه , وأن الرد الفلسطيني كان بمستوى الخجول , اضافة الى قراءة الاسرائيليين حال عودة عشرات الآلاف من العمال من اسرائيل بعد أيام والذي سيجعل الوضع هادئا , وبسبب آلاف العائلات الفقيرة أيضا , ومئات من المصالح الفلسطينية المعطلة والتي هي بمثابة القلب النابض للاقتصاد الفلسطيني , بالاضافة الى الآلاف من العمال المحليين المتضررين من ” كورونا ” .

فاسرائيل وكعادتها تستغل حالة الضعف والارتباك لدى الفلسطينيين نتيجة الانقسام ولا يخفى على أحد أنها عملت وبذلت الكثير من الجهود لتغذيته والابقاء علية , فكيف لا وهي الآن تستغل الوضع الفلسطيني المتدهور اقتصاديا نتيجة ” كورونا ” والذي بسببه أصبح ما نسبته 80 % من الفلسطينيين فاقدين بشكل كامل أو جزئي لمصادر دخلهم , ” وفق استطلاع فلسطيني ” , لذلك تستشعر اسرائيل القلق الشعبي الفلسطيني اقتصاديا , لذلك تتجه لتوفير العمل والسيولة المالية اعتقادا منها أنه من الممكن ان تعود الحياة الى طبيعتها ومجراها , حينها ستمرر قرار الضم بسهولة وفرض ما يسمى ” الضم المتنور ” !! والمتمثل بنجاح السلام الاقتصادي مرة أخرى , الا أننا دائما وأبدا نرجح الاحتمالات الطبيعية الأخرى , المتمثلة في الرد الشعبي العارم والمواجهة مع الاحتلال باستخدام كل الخيارات , ذلك بنائا على ديمومة شعبنا في الانبعاث من تحت الركام من جديد كلما اضيقت عليه الحياة نتيجه ممارسات الاحتلال وسياساته العنصرية , كما حدث في الانتفاضات السابقة جميعها ” ويا جبل ما يهزك ريح “.

شاهد أيضاً

عمالنا في يومهم العالمي

الكاتب ” عزمي مريش “ في الأول من أيار من كل عام يحتفل عمال العالم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Skip to content