الرئيسية / مقالات / مصيبتنا في فنجان ؟

مصيبتنا في فنجان ؟

الكاتب ” عزمي مريش

لم أعهد نفسي أن احتسيت أكثر من فنجان قهوة في الصباح , إلا أنني وبمجرد أن تلقيت كالملايين من الأردنيين والفلسطينيين والعرب نبأ الجريمة المروعة والوحشية التي وقعت في مدينة الزرقاء الأردنية والتي كان ضحيتها برعم يانع ربما لم يبلغ الحلم بعد , برعم زهرة نور لم يتفتح بعد , فاذا بي وبدون شعور واحساس أجهز على “الدلة” جميعها , جريمة هزت كيان الانسان وأوجعت كل القلوب الرحيمة , جريمة من شدة وقعها وغرابة تفاصيلها جعلت كل من اطلع على تفاصيلها واحداثياتها أن يتحدث مع نفسه الى حد الهلوسة والجنون .

هذه الجريمة بالطبع ليست الأولى ولن تكون الأخيرة , فمن الملاحظ أن الجرائم الشبيهة لتلك حدثت وتحدث في كل أقطار الوطن العربي بدون استثناء , وأحيانا هناك جرائم حدثت بشكل أبشع من ذلك ” جرائم بالجملة ” وها هي الحالات تتكرر وباستمرار دون خوف أو وجل من الله الذي قال إن من قتل نفسا بغير حق كأنما قتل الناس جميعا .

إحتسيت القهوة على غير عادتي , ولم أؤمن قط يوما بقراءة الفنجان , إلا أنني لا شعوريا وجدت نفسي أتأمل الفنجان وأقلبه بكل الإتجاهات علي أستطيع تحليل وفهم تفاصيل الخارطة التي تشكلت في جوفه ومن على أطرافة , فلم أستطع , حتى بدأ الصداع يجتاح رأسي , وللأسف لم استطع الاستنتاج , فقلت لنفسي , دعك من هذه الوساوس والخزعبلات ولا تدخل في مثل هكذا متاهات , فأنت لست ممن يؤمن قط بعالم السحر والعرافات .

إلا أن النفس أصرت الإنجرار وراء بعض تفاصيل ما قد يكون شاهدته أو استوحيته في بعض التفاصيل الصغيرة من صور في جوف الفنجان , مدركا تماما حق إدراك أن ما تحدثني نفسي به ما هو إلا ” زوبعة في فنجان ” .

لقد شاهدت وبإستغراب , رموزا على شكل حيوانات مختلفة , ضحكت بشدة كون خيالي قادني الى تشبيه تلك الرموز والصورالى حيوانات مفترسة , فلم أستطع حتى تحليل رمز من تلك الرموز أو أدعي أنني رأيت فيها الألفة أو الطيبة , فقلبت الفنجان مرات ومرات قلت ربما تتغير الرموز , إلا انها وللأسف ازدادت سوادا وأكثر وحشية , وشعرت حينها أن فنجان قهوتي هذا ما هو إلا وعاء لغابة أمازونية , القانون فيه ” أي فنجاني ” قانون غاب تحكمه فقط غريزة البقاء حتى أحسست للحظة أنني وقعت في مصيدة قد لا انجح بالخلاص منها , فقلت إن ” الصراع أبدي حتما وذلك من أجل البقاء , وأن استمراية التكاثر ما هي إلا سنة إلاهية لبقاء النوع واستمراره .

ربما ما قلته قد يستخف به البعض , إلا أنني أكتب وتنتابني لحظات فيها ضحك وإبتسامات , لأنني أجزم أن البعض قد لا يفهم المضمون والمحتوى وقد لا يملك القدرة على القراءة بين السطور أو التحليل والغوص عميقا في تفسير بعض الكلمات والجمل , ليس مهما , وإن اعتقد البعض بالمبالغة في الايهام والإيحاء , فالحمد لله لست أنا الذي أخترع الذرة , ولست من إكتشف الجاذبية , إنما الأمر عبارة عن مصارحة لطيفة عن شكل الصور والرموز التي توحي وترمز لحيوانات تفترس وتنهش وتتقاتل وتتصارع وتتكالب فرادا ومجموعات تطارد الفريسة الأضعف والتي لا حول لها ولا قوة , إلا أن هذا ياسادة يا كرام قضاء الله وقدره .

أليست تلك هي تفاصيل الدوامة والمتاهة بكل تفاصيلها , فالأرواح البريئة التي تحيط بنا تطاردنا , أجزم ذلك لأن في الفنجان لم أشاهد أبدا وجها بشريا باسما ضاحكا بريئا , لذلك أخشى أن لا تفارقنا المخاطر أبدا , كون الرموز والصور في كل زوايا الفنجان في الأصل هم بشر فقدوا إنسانيتهم وتحولوا الى أشكال مختلفة من الحيوانات الوحشية الضارية والمفترسة , وبناء على ذلك , أقول أن ما شاهدته بفنجاني هو المشهد الأكثر قسوة الذي شاهدته طيلة حياتي .

وبعد كل هذا أصبحت أخشى إحتساء قهوتي خوفا وفزعا أن أشاهد من جديد وجوها متشابهة تحمل ذات الصفات اللعينة , فقلت لنفسي هل الوطن العربي الكبير أضحى عبارة عن فنجان قهوة كبير مترامي الأطراف , منفلتا لا يخضح لحكم إلاهي أو قانون وضعي ؟؟ فتلك يا سادة يا كرام ليست خرافة , وإنما هو الواقع بأقل تفاصيله , فاشربوا قهوتكم وتمتعوا وتلذذوا , ففنجان قهوة أصبح بمثابة الحل السحري للقضاء على الجريمة وهو الكفيل ببقاء المجرم حرا طليقا يعيث في الأرض الفساد , ومواثيق الشرف التي لم يجف حبرها بعد تطوى وتداس بالأقدام , فأسئل الله في علاه أن يلطف بالأمة وأن لا يدوم هذا الحال المريع , وأن يحفظ الله كل قرة عين لأهلها لأن العيون إن اقتلعت سيبقي الأم تتنفس دون انقطاع دعاء المظلوم الذي لا ترده عن الله أرض ولا سماء .

شاهد أيضاً

ميلاد الصهاينة العرب العلني

بقلم الدكتور صائب عريقات الصهيونية حركة سياسية يهودية، ظهرت في وسط وشرق قارة أوروبا في أواخر …

Skip to content