لا أحد مستثنى من الخطر

الكاتب ” عزمي مريش ”

من الملاحظ أن كل كلمة تخرج من فاه أو من مجموعة أفواه هذه الأيام لها مدلولاتها واشاراتها وتعبيراتها واهدافها , ومن البديهي أن كل كلمة لا شك محسوبة وتؤخذ على محمل الجد , بغض النظر عن توقيت التفوه بها أو زمانها أو مكانها أو بمناسبة أو غير مناسبة , لذلك العقلاء في الشعوب تقف تدقق وتمحص وتتفكر بفحوى الكلام وغايات تلك الكلمات الصادرة عشوائيا هنا وهناك , ومن الطبيعي أن لا تمر تلك الكلمات والعبارات مر الكرام والتعامل معها بسطحية البسطاء من قبل العقلاء في المجتمعات خوفا من الوقوع في شراك الشائعات ودهاليز ومتاهات الضياع , لذلك قيل بالأمثال , من زرع حصد , ومن لم يزرع لن يحصد , وقيل أيضا , من يبحث عن اللؤلؤ والمرجان لا بد له أن يغوص في أعماق البحار وحتى في اعماق المحيطات , ومن أراد الحصول على الذهب يتوجب عليه حفر المناجم بساعديه .

فتأتي هذه المقدمة بمثابة خطاب للناس كل الناس وللعاملين والمسؤولين بكل مستوياتهم ومواقعهم وحدود تأثيرهم في البيئة المحيطة بنا , فخطابي هذا ناقوس خطر للجميع دون استثناء , بناء على ما نستشعره من خطر داهم بات يلامس كل تفاصيل حياتنها ووجودنا على هذه الأرض , التي قال فيها الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش ” إن على هذه الأرض ما يستحق الحياة ” .

فالبلد يا سادة يا كرام في خطر كبير يستهدف الأرض والانسان , والشواهد على هذا كثيرة وكبيرة وخطيرة , ووجب أن نقول أنه لم يعد يجدي الصمت والسكون والتراخي واللامبالات والسكوت , وهنا استحضر المقولة الشهيرة للراحل القائد الفلسطيني الحكيم “جورج حبش ” ” الحكيم ” حينما قال في الماضي ونتيجة الظلم والقهر والعذابات والهوان التي شاهدها وعايشها ورآها في أعين المشردين والنازحين من أبناء شعبه الفلسطيني في المخيمات ودول الشتات , فقال مقولته العظيمة والتي تصلح لكل زمان ومكان يسود فيه الظلم والقهر والحرمان والعذاب ” قال ” ثوروا فلن تخسروا سوى القيد والخيمة ” .

فان ما جرى لشعبا منذ سبعة عقود وأكثر , وما يجري الآن هو تحصيل حاصل لسياسات الاحتلال البغيض الذي لم يكن , ولم يهدأ ولن يتوقف للحظة في تنفيذ مخططاته الهادفة لأقتلاعنا من جذورنا والقائنا خلف الحدود وفي الصحاري , ليجسد قناعاته العقائدية العنصرية والتي تتمثل في أن هذه البلاد بلاد اجداده ” اليهود ” وأنها أرض الميعاد ” .

فالفأس وقعت في الرأس , يا سادة يا كرام , فها هو المحتل المتغطرس يصول ويجول ويخطط وينفذ ويتوسع ويقضم ويهدم ويقتلع ويقتل وينكل ويعتقل ويحاصر ويصادر , ويأخذ منا كل شيئ بلا مقابل , بل بثمن بخس , حتى بات الاحتلال الوحيد عبر التاريخ ” الأقل كلفة ” .

نعم انه الاحتلال بكل شراهته يتغذى وينموا ويترعرع ويكبر على ضعفنا , حتى أنه يتباكا في المحافل الدولية مدعيا استيعابه لنا وممارساته معنا أرقى أساليب وأنواع وقوانين الديمقراطية , فهو الذي يغدق على حملة البطاقة “الزرقاء , بالتأمينات الحياتية المختلفة , مثل البطالة والتامين الصحي والوطني والشيخوخة ومخصصات الأطفال والأرامل واليتامى والمعوقين ومختلف أصحاب الاحتياجات الخاصة إلخ .

نعم هو يدفع للمواطن وفق قانون دولته على اعتبار أن الفلسطينيين من رعاياه , ولكن مهما دفع وقدم من تعويضات فردية كانت أم جماعية فما تلك الأشياء الا فتات الفتات لا تمثل 1% من مجموع قيمة ما سرق وصادر ونهب , وهنا نلفت النظر أن كل مليم تقاضاه الفلسطيني من تلك الدولة ما هو الا عبارة عن سموم أراد من خلالها تسميم الدم الساري في شراين شعبنا ودليل ذلك ممارساته العنصرية اليومية في الشوارع والطرقات وفي الحواجز والمعابر والمداخل والمخارج وأن كل العاملين من شعبنا على اختلاف واظائفهم ومستوياتهم ما هم من وجهة نظره الا عبيد استاجرهم للعمل في خدمته وبناء كيانه وأن كل الأعمال الشاقة هي فقط لأبناء شعبنا وما سوق العمل الاسرائيلي الا سوق نخاسة وسوق عبيد وسوق سوداء .

وهنا نؤكد أن العقل الصهيوني العنصري لا يرانا الا من منظاره الذي يقول فينا أننا لسنا بشعب ولا نستحق دولة وما نحن الا حجر عثرة في طريقه لا بد أن يتجاوزها ويتخلص منها , لأن أحلامه لا تكتمل ولن تتحقق الا اذا ألغى وجودنا في فلسطين , ووفق مخططاته تنفيذ الترانسفير بحقنا وتهجيرنا الى الأردن وصحرائها ليتحقق مراده بالوطن البديل للفلسطينيين على حساب أشقائنا الأردنيين , وهذا بأمر الله لن يتحقق رغم أنه يعبث بالساحة الأردنية ويحرك أياديه الطولى في أرجاء الأردن , وما حدث من ردود فعل على أثر الغاء زيارة ولي العهد الملكي الهاشمي للقدس والأقصى مؤخرا , فاشطاط غضبا وتوعد بعقاب الأردن خاصة بعد رفض الأردن الشقيق السماح لطائرة ” نتنياهو ” بالمرور في الأجواء الأردنية متجهة لدولة الامارات , فعبث نتنياهو وتوعد الاردن, وتهديده جاء سريعا , بأن أذن للمأجورين ورجاله , بإحداث أحداث مستشفى ” السلط ” الكارثية , والتي سارعت اسرائيل لاستثمارها ومحاولة تقليب وتأجيج الشارع الأردني ضد السلطة والملك , الا أن نباهة الملك وبإرادة ملكية سارع لاحتواء الموقف بأن عمل على لملمة جراح الأردنيين وتفويت الفرصة على اسرائيل وعملائها بأن ينجحوا في نقل الحالة السورية والليبية والعراقية الى المملكة الأردنية , وفي هذا نشهد للملك حنكته وحكمته وسرعة بداهته في العمل على تحجيم وتقزيم الموقف حماية للأردن والأردنيين وابقاء الأردن بوابة شرقية لفلسطين أمنة سالمة موحدة متحدة وعلى قلب رجل واحد .

فالعلاقة الاردنية الاسرائيلية متوترة في الآونه الأخيرة لأسباب عديدة وخاصة مواقف الأردن من القدس والأقصى والتي أعلن ولي العهد الملكي أن القدس والأقصى بالنسبة لهم شأن شخصي , وهذا أيضا ما زاد من غضب اسرائيل , وتأكيدا على ما نقول وما تشير اليه الأحداث المتوالية والمتتابعة بأن أعلنت أمريكا قبل أيام لرعاياها في الأردن الحذر وعدم الذهاب اليها , وان دل ذلك فانما يدل على أن اسرائيل وأمريكا يعبثوا بالساحة الأردنية ويريدون لها الدخول في صراعات لا اول لها ولا آخر , وان تحق لهم ذلك فنقول أن عليىنا ألف سلام نحن الشعب الفلسطيني في القدس وفي فلسطين .

وفي الختام نؤكد أنه يتوجب علينا كشعبين شقيقين فلسطيني وأردني أن ندرك جيدا حجم المخاطر التي تتربص بأوطاننا ووجودنا وعلينا أن نتحلى بوعي سياسي عال وتام وأننا مطالبون بفهم طبيعة العدو ومخططاته وسياساته واستهدافاته وادراك حقيقة العوامل الخارجية أيضا التي لا تريد لنا خيرا , وشرط تحقيق ذلك مرهون بقوة وحدتنا واتحادنا وتوطيد أواصر الأخوة بيننا , وبهذا نستطيع تفويت الفرصة للمتربصين بنا ودحرهم يجرون خلفهم ذيول الخيبة والفشل .

شاهد أيضاً

جنود حصان طروادة

الكاتب ” عزمي مريش ” مثل انتشار النار في الهشيم , تناقل الآلاف عبر وسائل …

Skip to content