ملحمة سجن ” الخزنة “

الكاتب ” عزمي مريش “

للوهلة الأولى يبدوا للعقيمين وضعفاء الانتماء والمتكلين والمنبطحين والمأجورين والمستسلمين ورافعي الرايات البيضاء دون ادنى محاولة للمشاركة في عملية المواجهة للمحتل الغاصب للوطن الفلسطيني والمدنس لكل ما فيها من مقدس ، يبدوا لهم ولشديد الأسف ونتاج لضعفهم واستسلامهم للشائعات التي يطلقها الاحتلال وكل مستهدف ومتآمر على فلسطين القضية والانسان ، أن أمر دحر الاحتلال والخلاص منه والانتصار عليه أمر فقط في الأحلام او مستحيل التحقق والمنال .

فلتبيان ان ما يعتقده البعض ومحاولين اشاعة ما تقدم من احباط للجهود وتكسير للارادات وتحطيم وتشويه كل عمل بناء يصب في خدمة رفد ودعم واسناد العملية النضالية بشتى الطرق والوسائل ، يجعلنا التأكيد على أن القرار حين يرتكز الى ارادات فولاذية لا بد ان تتحقق الغايات والأهداف مهما صغرت او كبرت ومهما هانت او صعبت .

فعندما تتمكن مجموعة صغيرة محدودة العدد من الانتصار على منظومة العدو الأمنية بكل ما تعنيها من معنى ، فاعلم ايها الضعيف المنبطح أن هناك عقول وارادات فلسطينية تجاوزت بنضجها وقدراتها العدو وما ملك من قدرات علمية حديثة ومتطورة .

فعندما تتمكن هذه المجموعة من ألأسرى الفلسطينيين من تحرير انفسهم، من سجن تتباهى وتتفاخر اسرائيل انه أشد السجون “الاسرائيلية” حراسة، فتنجح بحفر نفق بطول عشرات الامتار، وخلال عدة اشهر، فأعلم ايها المتخاذل والمتآمر والمنبطح ان تحرير فلسطين ليست “أمنية” فقط تراود كل فلسطيني حر وشريف ، بل هي “حقيقة” سيصنعها الفلسطينيون عاجلا أم آجلا ، فاعلم أن الفلسطيني الذي يحفر بأظافره الحجر ليتحرر من السجن، من السهل عليه أن يحرر أرضه وفي قبضته السلاح اذا امتلك .

هذا الفعل العظيم هز دولة الاحتلال الاسرائيلية وقض مضاجها وارهق فرائصها واوجع مفاصلها وأثبت كم هي تلك الدولة هشة واوهن من بيت العنكبوت ان توفرت الارادات والامكانيات للفلسطيني المخلص الطاهر والشريف .

فهذا الفعل حقا كشف عن أزمة في منظومة الاحتلال الامنية، وشكل هاجسا تمثل بالخوف من الاسرى الطلقاءالذين حرروا انفسهم، فالاحتلال يعلم جيدا ان هؤلاء الاسرى لم يحفرو باظافرهم وبأدوات بدائية الحجر والتراب، من اجل الهرب من الموت والتعذيب، بل حرروا انفسهم من اجل ان يعودوا الى مقارعة المحتل وهم يمتشقون السلاح .

جميع وسائل اعلام الاحتلال وصفت الاسرى الفلسطينيين الذين حرروا انفسهم بأظافرهم، بانهم “خطرون”، وتسخر دولة الاحتلال في عمليات بحثها الواسعة عنهم المروحيات، وجيش الاحتلال عزز قواته بتعزيزات امنية وعسكرية كبيرة جدا لحد المبالغة ، الى ذلك رفعت حالة التأهب الى الدرجة الحمراء في مختلف ارجاء الكيان الاسرائيلي خصوصا في منطقة بيسان ومنطقة شمال فلسطين المحتلة ، حيث يقع سجن “جلبوع” ، وصولا الى وسط كيان الاحتلال ، لماذا؟ بسبب المخاوف من أن ينفذ الأسرى الفارون عمليات داخل دولة اسرائيل !!.

ومن المفارقات التي اثلجت صدور الفلسطينيين وارهقت عقول رجال المؤسسات الاستخبارية الاسرائيلية بكافة اشكالها ، موساد ، وشين بيت ، وشرطة وقادة كبار ومحللين عسكريين وسياسيين هي تلك الانتماءات السياسية المختلفة لهؤلاء الاسرى من حيث الفكر والايديولوجيا ، بمعنى التقاء واتحاد اقصى اليسار مع اقصى اليمين وفق التركيبة الأيديولوجية للحركتين حركة فتح وحركة الجهاد الاسلامي ، فخمسة منهم ينتمون الى حركة الجهاد الاسلامي الأكثر تشبثا وتطرفا في عملية مواجهة الاحتلال بالمقاومة المسلحة ، والشريك السادس ابن حركة فتح ، فهذا الشكل من المزيج يدلل على أن الانتماءات السياسية والحزبية، لم ولن تكن يوما اداة وسببا للتفرقة بين ابناء الشعب الفلسطيني الواحد الذي يكافح ويجاهد ويناضل من اجل قضية مقدسة واحدة تذوب امامها كل اشكال التناقضات المختلفة وتتصاغر ازاءها كل القضايا الجانبية والفرعية، فمثلما لم يفرق العدو الاسرائيلي بينهم، عندما زج بهم في زنزانة واحدة، فهم ايضا لم يفرقوا في الرؤية الى قضيتهم المقدسة، وهي رؤية واحدة، تقوم على تحرير الارض بالقوة والايمان الذي يفتت الصخر ويلين الحديد.

وفي الختام نقول ونؤكد أن هذه الملحمة البطولية العظيمة التي قل مثيل لها شئنا ام ابينا ستبقى ملحمة يتحدث عنها بفخر واعتزاز كل فلسطيني حر وشريف وستبقى سطورها ساطعة من نور ومحط عبر ودروس والهام وستبقى في ذاكرة التاريخ لأنها ملحمة سجن سجن وحرية وانعتاق من الطاغوت والجبروت والظلم والقهر ، وها هي بسطورها كما سطرها الاسرى الابطال بجهدهم وسهرهم وعرقهم وآهاتهم وأناتهم وعذابتهم وكل اوجاعهم ، دخلت التاريخ الفلسطيني والغربي والعالمي من اوسع الأبواب وستشكل مدخلا جديدا للأمل الذي سيضاعف من ايمان الفلسطينيين بعدالة قضيتهم ، وستكون عاملا وسببا تراكميا يساعد ويقرب من موعد تحرير فلسطين كل فلسطين باذن الله .

شاهد أيضاً

مرثون العرب اتجاه دمشق

الكاتب ” عزمي مريش “ ربما نوفق الى حد ما ونستطيع القول ان العرب باتوا …

Skip to content